حماة .. عنقاء سوريا

بمداد المدونين نحيي ذكرى المجزرة

82-01

leave a comment »

 المصدر : خواطر بطيخ
رابط المصدر : http://tinyurl.com/7qkr44k
الزمان: ما بين أواخر كانون الثّاني ومنتصف شباط من عام 1982.
المكان: حماه ودمشق – سوريا
أواخر كانون الثّاني
دفء البيت في هذا الجوّ البارد يعطي شعورًا بالأمان…
تستعدّ أم وحيد لاستقبال أهلها، كانت قد غادرت حماه لتنتقل مع زوجها إلى دمشق.
لا بدّ أنّها تجد صعوبة في تربية أطفالها الثّلاثة، وحيد ووليد التّوءم (5 سنوات) ووائل (3 سنوات)، فلا أحد يعينها في تربيتهم سوى زوجها، وهو أيضًا لديه أعمال. تركوا حماه باحثين عن حياة أفضل، زوجها عمل في دكّان والده ثمّ لمّا أصبح أبًا لأطفال، لم يعد يكفيه ما يجنيه من هذا العمل.
قدوم والديها سيؤنسها ويريحها قليلاً، متى كانت آخر مرّة رأتهم؟
تجلس أمّ وحيد لتتذكّر صديقاتها وقريباتها في حماه، عرس قريبتها الشّابّة قد اقترب، ولا بدّ أن تعود إلى حماه لحضوره.
ها قد وصل أبوها وأمّها، سيلهو الأطفال معهما قليلاً ثمّ يستريحان.
تفرح أمّ وحيد بتغيّر روتين حياتها لعدّة أيّام، في البيت حركة أكبر ومرح أكثر. تفرح الأمّ بما يفرح به أطفالها.
مضت بضعة أيّام منذ وصل والداها، عليها الآن أن تعدّ للعودة إلى حماه لحضور العرس – لكنّ لن تذهب مع أمّها وأبيها، بل ستلحق بهما بعد بضعة أيّام، تصطحب الأمّ حفيدها وليد لكي تخفّف عن ابنتها أعباء السّفر، أمّا الطّفلان الآخران فيبقيان مع والدتهما.
وصلت الجدّة والجدّ ووليد إلى حماه.
أوائل شباط
في الثّاني من شباط، تقتحم قوّات حافظ الأسد الخاصّة مدينة حماه لتطهيرها من “عصابة الإخوان المسلمين”، يستيقظ النّاس أطفالاً ورجالاً ونساءً على صوت الرّعب. لا أحد خارج حماه يعرف ما يحدث في حماه.
أم وحيد ما زالت في دمشق لا تدري أنّ أباها وأمّها وطفلها ذا السّنوات الخمس يذوقون طعم الرّعب الحقيقيّ في مدينة غير بعيدة. الحياة كما عرفناها في المدن مستمرّة، وفي حماه أقام الموت شهرًا يحصد الأرواح.
البيوت تُقتحم، وفي كلّ بيت يُقتحم، يتمنّى ساكنوه أن يبقوا أحياءً… لا يريدون أكثر من هذا، لقد فقدوا كلّ رغبة سوى رغبة الحياة.
في الثّمانينات لم يكن أفراد العائلة الواحدة يعيشون منفصلين، بل إنّك تجد الجدّ والجدّة وأولادهما وأحفادهما في بيت واحد كبير.
بيت أمّ وحيد في حماه لم يكن استثناءً، 16 فردًا يعيشون في بيتٍ واحد.
وقد حانت لحظة الاقتحام، كم منهم ينتسب للإخوان المسلمين؟ لا أحد! دعك من هذا… فالمهمّ عند الجنود إفراغ حقدهم في صدور العزّل.
دخل الجنود إلى البيت: جمعوا الأفراد استعدادًا لممارسة طقوس المجزرة الجماعيّة، 16 فردًا، الجدّ والجدّة وأبنائهما (منهم طفلة عمرها 4 شهور) وحفيدهما وليد.
يا الله! ماذا شعرت في تلك اللّحظة يا وليد؟ هل كنت من الإخوان المسلمين يا وليد؟ هل تدرك لماذا يحدث كلّ هذا؟ هل تعلم أنّ الأطفال بعمرك في مدن أخرى من بلدك يلعبون الآن يا وليد؟
وليد بغريزته ذهب يبحث عن مكان يختبئ فما وجد إلّا مساحة صغيرة تحت المغسلة في المطبخ، طوى نفسه، الطّفل ذو خمس السّنوات، ورعب العالم كلّه قد تجمّع في صدره… فإن لم تمته رصاصة، فقد قضى الرّعب على كلّ حبّ للحياة في قلبه.
ماذا شعرت يا وليد وأنت تسمع صوت الرّصاص على بعد أمتار؟ هل تفهم ماذا يفعل هذا الرّصاص؟
بل ماذا شعر جدّك وقد أتوا بطفلته ذات الشّهور الأربعة فقتلوها أمام عينيه قبل أن يطلقوا الرّصاص عليه؟ ما نوع هذا الحقد يا وليد؟
وليد… ألا تجيب؟!
لقد وجدوك إذًا وقرّروا أن بقاءك حيًّا قد يضعف هيبة الدّولة…
آسف لأنّ الرّصاص وصل إلى صدرك قبل أن تصل كلماتي…
لكنّ أتعلم يا وليد؟ جدّك نجا من الموت… لأنّهم ظنّوه قد فارق الحياة وهو تحت جثث بقيّة عائلته، كمّ جثّة؟ 14 جثّة!
غادر القتلة فنهض الجدّ المصاب من تحت الجثث ليختبئ في علّيّة البيت إلى أن يقرّر حافظ الأسد الاكتفاء من أرواح ساكني حماه.
الأب يتعافى ما استطاع، بطريقة غير قانونيّة يستطيع السّفر إلى دمشق ليقابل ابنته.
يدخل الأب بيت ابنته فتنظر له في ذهول: ما الّذي أتي بك يا أبي؟ ولم أتيت وحيدًا؟ أين أمّي وأين وليد؟
الأب لا يجيب… ترى هل استطاع أن ينقل شيئًا من الرّعب الّذي شاهده على وجهه ليراه الدّمشقيّون؟
تتابع الابنة: كنت أنوي العودة إلى حماه فلماذا أتيت أنت؟
الأب لا يجيب، يطلب منها ماءًا ساخنًا ليغتسل…
يغتسل الأب ثمّ يخرج لتعيد الابنة سؤالها: لماذا أتيت يا أبي؟ أين وليد؟ أين أمّي؟
الأب يصرخ بجنون: لك ماتوووووووووووووا! كلّن ماتوا!
ثمّ يغرق في البكاء…
ثمّ يحكي لها ما يحدث في حماه…
لكن يبقى من رأى، ليس كمن سمع!
لحظة! إن حسبت أنّ الرّعب انتهى، فأنت مخطئ…
ها قد دخل الطّفل وحيد إلى الغرفة، وأدرك أنّ أخاه قد مات…
الطّفل يريد أن يسأل عن أخيه: و… و… و.. يعجز عن نطق اسمه “وليد”!

يبقى وحيد عاجزًا عن الكلّام…
بعد فترة يشفى جزئيًّا لكنّ نطقه يبقى ثقيلاً.
منذ أقلّ من سنة مات وحيد مريضًا في حالة يُرثى لها.
أمّ وحيد وابنها وائل ما يزالان على قيد الحياة…
لكن هل بقيت فيهما حياة؟
على الهامش
من قتل الآلاف بحماه؟ عائلة الأسد.
ما قتل الآلاف بحماه؟ الفساد!
السّماح لمستبدّ أن يصل إلى السّلطة يعني أن ما حدث في عام 1982 قابل للحدوث مرّات أخرى.
الفساد ليس شيئًا ساكنًا، بل هو يصرّ على النّمو والتّغلّل، وينجب القتل وشتّى أنواع الجرائم…
هذا ما علّمتنيه أحداث 1982؛ ولهذا أثور اليوم.
تذكّر دومًا: لا ترضى بالفساد، لا تكن كأجدادك الّذي سكتوا!
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: