حماة .. عنقاء سوريا

بمداد المدونين نحيي ذكرى المجزرة

حماة .. خاويةٌ على عروشها

leave a comment »

المصدر : مدونة صبا قلبي

رابط المصدر : http://tinyurl.com/82u5esl

إنّ الدّم لا يُنسى أبداً ولن يُنسى ..
في شمّاعة ذاكرة الأيام لوحٌ محفوظ كتب عليه بالدم الأحمر القاتم “مجزرة حماة الكبرى” التي اقترفتها يد الفجور والتعالي ودفنت سرّها مع من دفنت من الشهداء الأبرياء الأطفال والنساء والشيوخ والرجال .. الأموات منهم والأحياء في مقابر جماعية مجهولة المكان حتى هذه اللحظة .مالسرّ من وراء ذلك ، ولماذا انفردت حماه وحدها دون غيرها من المدن السورية بالمذبحة ، ولماذا استهدف البشر والحجر والشجر في تلك المجزرة ، وكيف جرى كلّ ذلك ؟؟ سنرىحماه ومنذ الخمسينيات تقطنها غالبية سنّية ساحقة وبعض النّصارى المحافظين والمتطبّعين بأطباع أهل السنّة في المدينة ، لذا كانت المدينة سمتها العامّة التدين والطّابع الإسلامي واضح فيها وجليّ ، ويعود سبب ذلك إلى وجود علماء أفاضل في فترة الستينيات نذروا أعمارهم لتعليم أهالي المدينة تعاليم دينهم ونشر الخلق الإسلامي بين جنبات المدينة .
هذا كله أدى إلى وجود أرض خصبة لولادة معارضة لكل ماهو بعيد عن الدين الاسلامي وتعاليمه ومعتقداته .طبعاً جماعة الأخوان المسلمون هي كأي حزب سياسي له آراء وأفكار ونظام عمل وخطة سياسية واضحة مثل باقي الأحزاب ، لكنّ الذي حصل أنّه انشقّ عن هذه الجماعة الشيخ مروان حديد رحمه الله في عام 1964 وقرر الاعتصام بمسجد السلطان بحماه ليحثّ أهالي حماه ومن ورائها سوريّا على اسقاط حكومة البعثيين ، وكان أمله في ذلك أنّه كان من عادة الاحتلال الفرنسي وقت الإعتصامات أنهم لا يهجمون على المساجد فهي مقدّسة ، أما حكومة البعث جائت بالدبابات ودمّرت المسجد وفرّ المعتصمون وحكم عليهم بالإعدام ومن بينهم الشيخ مروان .

وأدّت الممارسات السيّئة لحافظ الأسد الواضحة إلى دفع الشباب المسلم إلى حمل السلاح ضده لكي يقوم بضرب الحركة الإسلاميّة في بلاد الشام ، مما أدّى إلى ولادة الطليعة المقاتلة التي أنشأها الشيخ مروان حديد في الفترة مابين 1964 و 1974 في المدن السورية المختلفة وبتتابعات مختلفة أيضاً .
وفي عام 1973 جرى تعديل للدستور في الفقرتين المتعلقتين بدين الدولة وهدف التعليم ، حيث كان الدستور ينص على أنّ دين رئيس الجمهوريّة الإسلام ودين الدّولة هو الإسلام ، وهدف التعليم هو إنشاء جيل يؤمن بدينه ويعمل من أجل أمّته ووطنه ، وبعد التعديل أصبح البند ينص على أن رئيس الجمهورية عربي سوري عمره أكثر من أربعين سنة ،والتعليم يهدف إلى أنشاء جيل علمي التفكير .
وكانت هذه نقطة انطلاقة الاحتجاجات في سورية وبالأخص في مدينة حماه بسبب جرأة أهلها ووجود أفراد كثر من الطليعة المقاتلة فيها-هذا لأن الطليعة كانت مقسمة إلى جماعات في حماه وحمص ودمشق وحلب وجسر الشغور وغيرها- حيث أصيبت الحكومةبصدمة عنيفة من احتجاج طلاب المرحلة الإعدادية الذين بدأوا يهتفون ضدّها بهتافات مناهضة للبعث وللحكومة ،وهنا كشّر الأسد الأب عن أنيابه وقال :” لأقطعنّ اليد التي لم يستطع عبد النّاصر ان يقطعها”
وهنا فعلاً بدات السلطة مسلسل الدّم وبدأت تلقي القبض على بعض الشباب الحموييين في حماه وتلقوا على يدها أشدّ انواع التعذيب وسُلّموا إلى أهلهم حثثاً هامدة .

وفي هذه الفترة بدأت الطليعة المقاتلة تعلن عن تبنّيها لبعض العمليات ضد السلطة وأطلقت أول رصاصة عندما اغتالت قائد الأمن القومي في حماه عام 1976 ، ثم جاءت حادثة االمدفعيّة الشهيرة عام 1979 والتي سقط فيها مايقارب 255 من العلوييين ، وبالمناسبة أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً تعلن فيه عن نفي علاقتها بالحادثة وتنفي حمل السلاح ضد الدولة من الأساس إلا أن السلطة لم تفرق بين الإخوان والطليعة المقاتلة بسبب حقدها على الحركة الإسلاميّة جمعاء فأرادت أن تعمي عينيها عن حقية الحدث وأعلنت الحرب على الإخوان المسلمين قاطبةً ثم تطور الحال إلى الحرب على الإسلام بطائفيّة بغيضة فلم يبقى مسجد في حماه إلا ودُمّر بالكامل خلال المجزرة الكبرى في شباط 82 !!

وفي أوائل الثّمانينات ارتفعت وتيرة الإغتيالات من قبل الطليعة وأعلنتها حرب على النظام بسبب قتله لمئات من الإخوان ووصل معدّل الإغتيالات إلى عشرة أشخاص يومياً من أزلام النّظام وأعوانه من المخبرين عام 1980 وبدأت الطليعة المقاتلة تسيطر على الوضع وتعطي أوامرها للمدارس بإقامة الصلاة جماعة في المدارس وتوزيع مجلات خاصة بالطليعة علناً وبدأت تطلب من الحزبيين إعلان توبتهم والابتعاد عن الحزب والسلطة وقد نجحت إلى حدّ كبير في حماه وحلب وكان السرّ وراء ذلك تلاحم الجماهير مع الطليعة وتستّرهم على أعضائها ، وكان معظم المواطنون وحتّى المسيحيّون منهم يسر ّون عندما يقدّموا خدمة لأفراد الطليعة أو عندما يؤونهم في بيوتهم عند الحاجة وتقديم لهم العون ، هذا لأن معظم الشعب حاقد على السلطة التي أذلته ومرغت أنفه بأوحال الهوان .

هنا بدأ الخطر يشتدّ على السلطة وبدت الطليعة اكثر تنظيماً مما اطر حافظ الأسد أن يلجأ للتّفاوض مع الإخوان !! فقال في عيد الثامن من آذار عام 1982 : ” أتمنى أن أعرف ماذا يريد الإخوان المسلمون ، لويأتوا إلينا ويقولون ماذا يريدون ، أنا والله مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، وأنا مواظب على الصلاة منذ ثلاثين عاماً ، وأنا أعرف أنه يوجد أناس عاقلون في الإخوان المسلمين ، يأتوا إلي ويقولو ماذا يريدون ، هل يجوز قتل المسلم ؟ هل يجوز قتل المواطن البريء ؟ من هو المستفيد من حوادث القتل هذه ؟ إنهم أعداء هذا البلد وأولهم الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل “
ولم يذكر الأسد في خطابه الطليعة هذا لأنه لايفرق بينها وبين الإخوان .

وبدأ التفاوض مع القيادات في الأردن، ولم يرضى عدنان عقلة قائد الطليعة في حلب عن التفاوض واعتبره قفزاً فوق الغاية العظمى وهي اسقاط النظام والاقتصار في التفاوض على طلب المعتقلين وإعادة الموظفين إلى أعمالهم وغيرها من المطالب التي لم يجد فيها ماهو مقنع لإيقاف الإغتيالات ، بل زادت الإغتيالات ووصلت إلى الرئيس حفظ أسد نفسه ! في حزيران 1980، عندما حاول أحد ضباط الصف في الحرس الجمهوري أن يقذف رمانتين أو ثلاث على موكب الرئيس إلا أن مرافقه انكب عليه وحماه من الثانية بعدما انفجرت الأولى ورمى الثالثة بعيداً ، إلا أنه -وماهو واضح – لم يمت بل أصيب بإحدى ساقيه .
وقتل أخوه رفعت انتقاماً لهذه الحادثة 1000 سجين من الإخوان في سجن تدمر خلال أقل من ساعة أغلبهم من خريجي الجامعات والضباط والمهندسين ودفنوهم بمقبرة جماعية والبعض منهم كان مازال جريحا ولم يمت بعد !!
وهنا أحست السلطة أنها خُدعت وكأنها تظنّ أن الإخوان لهم سلطة على الطليعة .

عندها جاء الخبراء الروس وقدّموا النصيحة الذّهبيّة للأسد التي وافقت هواه ، وجاء الغطاء المناسب للوعاء المناسب حيث قالو له : مدينة حماه كلّها مجرمون لأنك لاتجد مواطناً واحداً يشير بيده إلى المجرم ليدلّ رجال الجيش عليه ، لذا نقترح إذا اغتال المجرمون أحد رجالكم في حيّ من المدينة ، فاليسرع الجيش إلى جمع خمسين رجلاً على الأقل في المكان الذي وقع فيه الإغتيال ويقتلونهم رشّاً بالأسلحة النّارية أمام الآخرين .

ولم يوفّر آل الأسد نصيحة كتلك ، وأرسل رفعت الأسد شقيق حافظ 12000 جندياً من سرايا الدفاع كدفعة أولى وصرّح أنه سيمحو حماه من على الخريطة وسيبني بدلاً منها حدائق وحانات للخمر ونوادي للرقص ، وسيجعل المؤرخين يقولون كانت هنا مدينة تسمًى حماه ..

بدأت الحشود تتوالى على المدينة ، تتقدمها 280 دبابة و 108 مدفع و 48 مدفع هاون و248 مدفع صواريخ والكثير من الحوّامات والعديد من راجمات الصواريخ وأكثر من 25000 ألف جندي !! كلّ ذلك للقضاء على شمعة سورية وإطفاء النور المنبعث منها .
وفي الثاني من شباط من عام 1982 رنّت ساعة الصفر ليلاً معلنة موت المدينة ، لذا وكما فعل السّابقون ممن شهدو تلك المذبحة حين وقفوا متفرجين -أو ربّما لم يقفوا – نترك حماة تحتضر وتصارع الموت وتنازعه ونقف نتفرج على مشهد السقوط ، ونستمع لآهات الأطفال ولصرخات النساء ولحشرجة المحشرجين من أهلها الكرام ، ونودعها علّنا ندخل إليها في التدوينة القادمة ونزورها وهي خاوية على عروشها .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: