حماة .. عنقاء سوريا

بمداد المدونين نحيي ذكرى المجزرة

الصورة بين غيابها في 1982 و حضورها في 2012

leave a comment »

المصدر : مدونة أراكة عبد العزيز

رابط المصدر : http://bit.ly/xB38f1

طوال أربعين عاماً كان الغباء الإعلامي السمة المميزة لنظامٍ ابتدأ حكمه بالدم وسينتهي بسببه .. نظامٌ لم يُحسن يوماً إلا أن يوغل في القتل والدم “دم شعبه ” بالطبع وليس دم “المحتلين” الذين لم يتضرروا منه إلا بفقاعات إعلامية مارسها كغطاء لعمالته التي كانت مفضوحة من جهة أخرى .. وبقي يقاوم ويمانع “إعلامياً” وفوق الطاولة فقط ..

في محاولة “متواضعة” لرصد الإعلام وتغطيته في فترة 1982 و2011 .. حاولتُ استطلاع رؤى إعلامية بالرجوع إلى كتب ومقالات تحدثت عن مجزرة حماة وتطرّقت بطبيعة الحال إلى التغطية الإعلامية التي كانت منعدمة بنسبة 98% في فترة الثمانينات .. وقمتُ بعقد مقارنة صارت اليوم أقرب إلى الوضوح لكل مراقب للوضع السوري خاصة إن عايش الفترتين وأقصد بهما الثمانينات والآن .. المجزرة والثورة .. لكن ثورتنا تحتاج التوثيق والمجزرة تحتاج إعادة توثيق أيضاً بعد إغفالها والصمت عنها وعن شهداءها الذين وصلوا إلى سبعين ألف في بعض الروايات وخمسين ألف أو أربعين في روايات أخرى .. ولم توثق أسماء الكثير منهم رحمهم الله ورضي عنهم ، ولعلنا ننجح ولو في جزء بسيط في هذا الأمر !

ربما يكون الفرق الكبير “وهنا أتحدث في النطاق الإعلامي” ما بين المجزرة والثورة هو أن الأب الذي قُتل في مجزرة حماة لم يكن ثمّة صديقٌ يحملُ هاتفاً مزوداً بكاميرا كي يصوّر دمه المسفوح في شوارع حماة وأزقتها ، لذلك شحّت الصور والفيديوهات ربما إلى نسبة 15% وربما أقل “ظهر منها جزء بسيط والكثير خبأه أصحابه تحت الأرض .. و 10% منها ظهرت الآن في الأشهر الأخيرة بسبب تلاشي الخوف وانكساره في نفوس السوريين .. أشهره الفيلم الوثائقي المصوّر منذ 1984 بأجزاءه الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ..
بينما ابن ذاك الشهيد اليوم يحمل هذا الهاتف أو يحمل الكاميرا ويصور أصدقائه الشهداء والجرحى ، يصوّر المستشفيات الميداينة ، يصوّر عمليات الجيش الحر ، وذخائرهم ، يصور “وهذا الأهم” الفضائح التي يرتكبها شبيحة الأسد وميليشياته التي تعيث في سورية فساداً منذ ما يزيد عن عشرة أشهر .. لذلك كان “التضليل الإعلامي” كما تصفه قناة الدنيا التي جاءت اسماً على مسمى .. هذا التضليل الإعلامي الذي نمارسه هو ما أصاب النظام في مقتل وفضحه عربياً وعالمياً ، فأتت صور جنوده وهم يرفسون السوريين الأحرار بأحذيتهم ويصفعهونهم ويأمرونهم بالكفر بالله والاعتراف ببشـار وماهر إلاهين من دون الله ، تعالى الله عما يصفون .. وجاءت صور الشبيحة بقذارتهم يدنسّون المساجد ويتسامرون ويضحكون ويمارسون الهمز واللمز على المصلين وشيوخ الثورة .. حتى أن بعض الشبيحة كما في شهادة الناشط عبد الله أبازيد “عمر عللوه” صار يتعمّد تصوير نفسه وأصدقاءه في مقاطع قد تثير لغطاً على النظام ومساوئ أبناءه اللاشرعيين ، فقط من أجل أن يبيع المقطع ليربح به عدة ليرات قد لا تغنيه ولا تسمنه من جوع ..
لذا صار النظام يمارس ثورة ضد نفسه تمثّلت في قناة الدنيا والتلفزيون السوري .. وصار همُّ قناة الدنيا أن تثبت الأكاذيب والتضليل الذي يمارسه إعلام “العصابات المسلّحة” وإعلام المؤامرة الكونية الذي يتربصُّ شراً بالنظام السـوري ..

عودة إلى الثمانينات ، بل ما قبل الثمانينات .. دعونا نقرأ هذا المقطع من كتاب “حمامات الدم في تدمر ” / عبد الله الناجي ، معتقل سابق في تدمر .. يتحدث عن وسائل الإعلام في سجن تدمر ومقابلتها للمعتقلين ..فيقول في صفحة 145 :
” كانت أجهزة المخابرات ترتب مقابلات إذاعية وتلفزيونية مع بعض المعتقلين الذين توجه إليهم أسئلة محددة ، بهدف الحصول على على إجابات معينة لإقناع عوّام الناس بما تريده السلطة الغاشمة ، أو لتبرير بعض التصرفات القمعية التي تسلكها تلك الأجهزة الجهنمية .
ففي عام 1979 و 1980 أظهرت السلطة عدداً من المعتقلين على شاشة التلفزيون ، مثل الأخ الشهيد أمين أصفر رحمه الله رحمة واسعة ، وكانوا يجبرون المعتقل على كلام يكون سبباً للانتقادات والشبه عند عوام الناس ، والذين يعرفون الظروف التي تتم بها تلك المقابلات لا يسعهم إلا أن يعذروا أولئك المساكين فيما يقولون
حضر الزبانية لمهجعنا أوائل 1981 وقرأوا اسمين لاثنين من الإخوة عندنا وقالوا لهما : عليكما أن تلبسا أحسن ما عندكما من الملابس (لكم زيارة) وفي اليوم التالي حضروا وأخرجوا الأخوين لساحة الإدارة ورتبوا لهما هندامهما ، ثم أخذوهما لغرفة المقابلة ، ووقف المساعد أبو جهل وقال لهما عليكما أن تقولا كل مما يطلب منكما ، وإذا لم تفعلا فالدولاب جاهز بانتظاركما.
دخل الإخوة غرفة أعدت لهذه المهمة من حيث المقاعد والأنوار والديكور وكاميرات التصوير وراح أحد الأشخاص يسألهما مستمعاً لاجابتهما ، وكلما أجاب أحد الإخوة بصورة غير مقبولة ، قال له : عليك قول كذا وكذا ، وطلبوا منهما أن يكونا طبيعيين أثناء المقابلة مع قليل من التبسّم ، ثم أجريت مقابلة “بروفا” حتى يطمئنوا للإجابات الموافقة لأهوائهم  ”
أجزمُ أنكم تذكرتهم : حسين الهرموش ، والشيخ الصياصنة ، والشيخ نواف البشير ، والفنان جلال الطويل ، وزينب الحصني .. التاريخ يعيد نفسه والقاتل ينجب قتلة صغار يشبهونه في القذارة والأسلوب الأعوج في التحكم بالآخرين عن طريق الخوف والتعذيب وعلى مدى أربعين عاماً لم يتغيّر فيهم شيء اللهم أنهم ازدادوا سوءاً إلى سوئهم ..!


نظرة أخرى على مقطع من كتاب “سورية ، مزرعة الأسد “ ولننظر كيف أن الزمن يمُّر ويتغير العالم كله ولا يتغير إعلام النظام السوري بل يبقى على موجة واحدة من الغباء ، من الممكن أن ترتفع لكن من المستحيل أن تتغير أو تنخفض ..
في نهاية الستينات .. حاول الشهيد مروان حديد يرحمه الله الثورة على نظام البعث وحزب البعث وفي سلسلة أحداث متواترة يحاول الشهيد مروان حديد الاحتماء بمسجد في حماة مع مجموعة من طلابه الذين آمنوا بمبادئه ، وكان الشهيد كما تعود في الحتلال الفرنسي أنه لن يستطيع العدو أن يقتحم المسجد إن حاول مسلم الاحتماء به ، لكن هذا ما لم يكن يؤمن به حزب البعث وأزلامه ، لذا قاد رفعت الأسد “قائد سرايا الدفاع آنذاك ” الدبابات وهدموا المسجد وفي المقطع :
” وبدأ الجيش السوري يقصف قبة المسجد “الذي يحتمي فيه مروان حديد” وسائر أركانه حتى صار المسجد خرباً لا يحمي أحداً ، لذلك اضطر مروان يرحمه الله إلى التسليم مع عشرات الطلاب الموجودين معه .فأخذهم الجيش وصوّرهم مع أسلحة وضعها الجيش أمامهم وكتب تحت الصورة ( أسلحة اسرائيلية وُجدت مع الرجعيين ) ص20 ” كتاب سورية مزرعة الأسد / عبد الله الدهامشة .
هو ذات الأسلوب لم يختلف منذ عشرات السنوات كأن الذي يحكمنا هو شبح بعثي ينتمي إلى عائلة الأسد عمره ما يزيد عن مائة عام ، يملي أوامره منذ ذلك الوقت إلى اليوم ..

بالطبع في الثمانينات لم يستطع صحفي واحد الدخول حماة ، إلا صحفي واحد دخل بصفته سائحاً يبحث عن الآثار .. وهو شارل بوبت “محرر في الفرنسية “ وذكرت الليبراسيون الفرنسية و بحسب ما نقلوا عنها وعلى لسان الصحفي شارل الذي استطاع أن يدخل إلى قلب حماة أثناء الأحداث.
شارل كان في دمشق وحينما سمع بالأحداث استقل الباص باتجاه حلب وفي حمص وأثناء استراحة قصيرة اختفى وترك الباص يتابع سيره ثم بحث عن تكسي لكي تنقله إلى مداخل حماة أو ضواحيها بحجة أنه سائح يريد البحث عن الآثار .
قضى في المدينة وقتاً لا بأس به، ثم سلم نفسه للسلطات السورية تمويهاً.. وبعدما عاد إلى فرنسا نشر تحقيقاً مطولاً يعتبر أخطر ما كتب في الصحافة العالمية عن هذه المذبحة.


فلنترك له الكلام الذي نشرته الصحيفة المذكورة يوم الاثنين في الأول من آذار 1982:
“الساعة السابعة صباحاً.. تبدو حماة مدينة غريبة، حركة عمران! كل شيء في طور الإعمار، أو كان كذلك، وفجأة توقف كل شيء. وبمحاذاة البيوت التقليدية القديمة، كانت الأبنية الحديثة تبدو كأنها حيوانات ضخمة جريحة واقفة على ظهرها. الطوابق الأرضية ظاهرة، والأعمدة التي تستخدم عادة لحمل الطوابق الأخرى كانت عارية، ومتجهة نحو السماء بشكل مستقيم، وعلى قمتها قضبان حديدية ملتوية وصدئة. (…) إنني أمشي الآن وسط بيوت متهدمة، وأشجار مكسرة، وأعمدة ملوية أو منزوعة من مكانها. هناك قليل من السكان. ومثلهم فإنني أتنقل بحذر أثناء المسير. إنه هنا حدث القتال وما يزال مستمراً من صباح هذا اليوم من شهر شباط. إنها ليست الحرب، ولكن بالأحرى، نهاية معركة كانت على ما يبدو رهيبة.
ننتقل من بيت إلى بيت. ومن فوقنا تمر طائرة هيلوكبتر. وأمامنا عائلات بأكملها تبكي، جثث تجر من أرجلها أو محمولة على الأكتاف، أجساد تتفسخ وتنبعث منها رائحة قاتلة ، وأطفال تسيل منهم الدماء وهم يركضون لاجتياز الشارع. امرأة ترفض أن تفتح لنا منزلها. إنها ليست زيارة متفقاً عليها. إنني غير مرغوب في مثل هذه الساعات. ونهيم على وجوهنا أنا ومرافقي – أحد أبناء المدينة الذي تطوع بهذا العمل- ولكن كنا محتاجين لأن نبقى ضمن الأحياء التي ما تزال في أيدي الثوار التي تضيق رقعتها شيئاً فشيئاً. وأخيراً تستجيب المرأة لتوسلات مرافقي وتفتح لنا. إنها تخبئ زوجها. ها هو ذا أمامنا مسجَّى على الأرض، دونما رأس، ميتاً منذ 5 شباط!!! وهكذا فإن كثيراً من الناس يخبئون جرحاهم، خشية أن تجهز عليهم القوات الحكومية. أما الأموات فإن أهاليهم يدفنونهم بسرعة. إذا أمكن، فيما أصبح يطلق عليه اليوم مقبرة الشهداء في الزاوية الكيلانية. (التي تم نسفها كلياً فيما بعد).
بضع طلقات نارية صوب الجنوب تتبعها رشقات قوية. وخلال عشر دقائق كانت القذائف تتساقط كالمطر أينما كان، وحيثما تسقط كنت تسمع صرخات الرعب ونداءات التوسل إلى الله على بضعة أمتار منا، شاهدنا رجلاً يتمزق تماماً ويسقط فوق جدار، كما لو أنه هيكل عظمي. ولم أصدق عيني، ولكن عندما ظهرت الطائرات من جديد فوقنا، دفعني مرافقي لتحت منزل، صارخاً “هاهم يعودون”.
في الطريق يصادفنا رجل يقدمه مرافقي لي. إنه طبيب… وبكل سرعة يناولني الطبيب هذا بضع أوراق، ويكتب لي أسماء ضحايا: “كم قتيلاً” سألته.. أجاب: لا أعرف. ليس أقل من 8.000 أو 10.000 لقد رأينا ضحايا في كل مكان.. أمسك. (حتى يعرف العالم كله الحقيقة سجل: “مصطفى شامية، طارق عبد النور، أديب السبع، أحمد الشلبي”. وبإشارة أفهمه أنه لا فائدة من الاستمرار لأنني لا أستطيع أن أسجلهم كلهم ولكنه يستمر وبكل عصبية ويطلب مني بطريقة الأمر أن أسجل: “إبراهيم الطرقجي، فؤاد جودت، غسان جلوسي دهيمش.
أترك حماة بمزيج من الرعب والفزع… الفزع حين أتذكر أنه ولا مرة واحدة خلال هذه الأيام والليالي التي قضيتها هناك سمعت صوت المؤذن يدعو المؤمنين إلى الصلاة، كما لو أن المآذن نفسها قد انكمشت على نفسها تلقائياً.”.
انتهت الشهادة .. ما أشبه اليوم بالبارحة ..!


روبرت فيسك الصحفي البريطاني الذي استطاع زيارة حماة ، وكما وصف تحديداً في خريف 1981 .. تحدث فيسك في مقاطع سريعة عن الوضع الإعلامي آنذاك  في  كتاب “PITY THE NATION” روبرت فيسك، الطبعة الأولى، شباط 1990:
” عندما انفجر العصيان في حماة في شباط 1982 قطعت الحكومة السورية مباشرة خطوط الهاتف والمواصلات عن المدينة، وكان ممكناً للصحفيين الأجانب أن يسافروا إلى دمشق حيث يجدون الحكومة السورية وقد اكتشفت فائدة اتـهام أعدائها بتهمة الإرهاب، ولكنهم أخبروا بأن من يحاول منهم زيارة حماة فسيعرض نفسه لخطر محقق، وأن الحكومة لن تضمن سلامتهم إذا هم حاولوا الذهاب إلى المدينة، مما عد وكأنه تـهديد أكثر منه نصيحة من أصدقاء، فمن المؤكد أن قوات رفعت الأسد لن تعامل الصحفيين بلطف . إن موظفي السفارات الغربية في دمشق وبخاصة المشهورة منها والتي تعتبر مصادرها موثوقة، كانوا يتحدثون عن آلاف القتلى في حماة بعد أسبوعين من القتال حيث لا زال لما يسمح للصحفيين أن يذهبوا إلى هناك، وكان من غير الممكن لأي أجنبي أن يأخذ طريقه داخل المدينة
كنت – إلى الآن – شاهد العيان الغربي الوحيد لحصار حماة، وهي وإن كانت أسرع زيارة وأقصرها؛ لكنها كانت كافية لتثبت أن القتال كان لا زال مشتعلاً على درجة كبيرة، وتشترك فيه عدة ألوية، وأن عدد الضحايا يجب أن يكون ضخماً، شيء رهيب كان يجري هناك، الحكومة السورية قد تدعي أن القتلى كانوا بالمئات، لكن قدرنا فيما بعد أنـهم كانوا بحدود 10 آلاف، وبعض التقديرات جعلت القتلى بحدود 20 ألفاً، أعلى حتى من مجموع قتلى الغزو الإسرائيلي للبنان بعد شهر
بعد يومين أدان راديو دمشق أكاذيـبي المضللة قائلاً: “لم يسبق لروبرت فيسك أن زار حماة”، ولا علم له إذن عن القتال هناك، وعلى هذا فإن الناس الجائعين، والقصف العشوائي، وتمرد وحدات من الجيش وانضمامها إلى المتمردين.. كل ذلك محض اختلاق أيضاً! ردت التايمز فوراً بأنها تؤيد روايتي شارحة كيف دخلت المدينة، وعبرت عن دهشتها أن يكون راديو دمشق قد نفى صدق روايتي ..! ”
انتهى حديث فيسك .. ألم أقل لكم ما أشبه اليوم بالبارحة ؟ اليوم يُمنع الصحفيون من الدخول إلى سورية وإن دخلوا فإنهم سيواجهون حتماً مصير جيل جاكيه الذي قتل قبل أيـام في حمص ..

نهاية هذا النظام هي في فضيحته الإعلامية وهذا ما يمارسه الأحرار ليل نهار .. بنقل المظاهرات وتصويرها وبثها مباشرة على الجزيرة ، إضافة إلى وجود الشبكات الاجتماعية الذي ساهم كثيراً في وصول هذه الثورة ومقاطعها المؤلمة والموجعة إلى قعر دار كل من اشترك بحساب في احدى هذه الشبكات وأذكر هنا حصراً الفيس بوك ، تويتر ، يوتيوب وهذا الأخير كان الضربة القاصمة والخنجر المزروع في خاصرة النظام على مدى عشرة أشهر من ثورة الكرامة ، حيث جردت آلاف المقاطع المحمّلة إلى اليوتيوب النظام من آخر ذرة ممانعة كان يتذرع بها .. لقد اكتشف العالم أن هذا النظام يمانع شعبه ويمنعه الحرية ويقاومه في أن يحصل على حقه الطبيعي في الحياة الكريمة ..!

كما ساهمت هذه المقاطع بتحفيز الكثير من الصامتين لأن يخلعوا أقنعة صمتهم وأن ينزلوا إلى الشـوارع للتظاهر مع إخوتهم الذين كانوا يواجهون الموت بصدور عارية كل يوم دون استثناء ..
هذه الفيديوهات كانت الوسيلة الوحيدة لوصول الثورة إلى العالم .. وكم استشهد أحرار من شبابنا الثائر من أجل أن يصلنا مقطع فيديو مدته لا تزيد عن الدقيقتين .. لعل أشهرها كان الشاب الذي صور قاتله وقد عبّرت يومها الغارديان بأن الشاب يصوّر ملّك الموت الذي انتزع روحه “بهذا المعنى” .. وآخرها والذي أتذكره أثناء مجزرة بابا عمرو الأخيرة في حمص ، شاب يصوّر الدبابة فتصيبه القذيفة ويرتقي شهيداً ..

واللافت في الأمر أن العالم كان يلحظ تطوراً لافتاً في تغطية الشباب الثوّار لهذه الفيديوهات ، على سبيل المثال في بداية الثورة كانت توثيق الفيديوهات بصوت المصوّر وذكر المكان والتاريخ بعد اتهامات صدرت من الطرف الآخر بأن المظاهرات تُقام في صحراء وكل ما ولهم هو مجسّمات ، ثم تطور إلى وضع ورقة كتب فيها بخط ” غالباً ما يكون جميل ” المكان والتاريخ واسم الجمعة إن وافق يوم التظاهر يوم جمعة .. ثم تطوّر إلى أن يضع البعض هواتفهم النقالة وقد كتب فيها ذات المعلومات ، والبعض قد يضيف التعليقات واللافتات الساخرة والناقدة .. ثم صارت كثير من الفيديوهات تترجم إلى الإنجليزية والفرنسية من أجل إيصال الرسائل الثورية إلى أكبر شريحة من العالم ..

بينما يبقى الإعلام السوري يراوح مكانه ، بنفس الغباء المعهود منذ عشرات السنوات .. يفضحه الأحرار فيظهر أن المسيرة “المليونية” المؤيدة لم تبلغ حتى ربع ساحة الأمويين .. يضع المذيع أكياس الخضروات ويقوم بتصويره المصوّر .. ويمّل الممثل من أن يؤدي دور البكّاء فيترك التمثيل قبل أن تنتهي اللقطة .. ويتحدث وزير الخارجية ليهزّ العالم إعلامياً بمحاولة عابثة وفاشلة لفضح العصابات المسلّحة فيهتز النظام بصفعة إعلامية عالمية .. وتحاول قناة الدنيا أن “تتذاكى ” فتكتشف أن قناة العربية ترسل إشارات ” للعصابات المسلحة” عن طريق النشرة الجوية ..؟!!

أهم من ساهم في تشويه صورة النظام السوري إعلامياً بصورة كبيرة هم المحللين السياسيين الذين كان يستعين النظام السوري للدفاع عنه ، فكان الدفاع يعود عليه بصورة عكسية تظهر النظام بالصورة السيئة إلى الدرجة التي كان يستفز فيها مذيعي القنوات المحايدة إلى إظهار عدائهم إلى “محللين سياسيين” هم في الحقيقة لم يتعدوا مرحلة أن يكونوا أبواق للنظام .. وصاروا يترنحّون من الفلاشة إلى الكفر إلى السقوط من الكراسي إلى ترديد اسطوانة : خلصت ..!

وهو كذلك .. الثورة بخير .. والنظام خلص .. وحماة لن تتكرر .. هذه ليست شعارات جوفاء .. إنما تطبيق عملي .. الثورة بخير بسواعد الأحرار ودعم المغتربين ، والنظام خلص لأنه اهترأ ولأنه لا يحتمل أي ضربات وهم الآن يعاني من سكرات الموت ، وحماة لن تتكرر لأننا نعيش ثورة الكرامة ولأننا نعيش 2011-2012 وليس 1982 .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: