حماة .. عنقاء سوريا

بمداد المدونين نحيي ذكرى المجزرة

حماة .. لن تلدغ مرتين !

leave a comment »

المصدر : مدونة أبو عبيدة الحموي

رابط المصدر : http://abuobaida.com/?p=153

 

كانت حماة . . تلك المدينةُ الحالمة . . تعيشُ آمنةً مطمئنةً على ضفافِ العاصي . . تغرّدُ فيها الطيورُ بأصواتها العذبة . . ويذهبُ رجالُها إلى أعمالهم كل صباحٍ في جدّ واجتهاد . . ويلعبُ الأطفال في حاراتها في سعادةٍ غامرة . . وتجتمعُ نساؤها في صباحيّاتهم يشربْن القهوة ويتبادلنَ أطرافَ الحديث الذي لا ينتهي . . ويهبّ النسيمُ بلطفٍ وحنانٍ يداعبُ أحلامَ الفتيان والفتيات وخيالاتهم . . وتدورُ النواعيرُ منذ آلاف السنين شاهدةً على حضارة هذهِ المدينةِ العريقة . . التي تُعد من أقدم مدن العالم . . وتدور لتسقي المزارعَ والحقول . .

كانت الحياة طبيعيةً لا ينغّصها شيء . . وكان الحمويّون كعائلة واحدة . . يعرفُ بعضُهم بعضًا . . ويحرصون على القيام بشؤون بلدتهم بأنفسهم . . فهم يحبونها . . ويفدونها بأرواحهم وأموالهم . . ويضحّون بالغالي والنّفيس من أجل أن تبقى هذه المدينةُ في شبابٍ دائمٍ رغم أنها قديمةٌ قِدَم التاريخ . . ولكنهم لم يعلموا ماذا تخبئهُ الأيام لهم . . لم يعلموا أن فرحتَهم سيغتالُها المجرمون . . لم يظنّوا أنهم سيرونَ هذه المدينةَ تصبحُ أنقاضًا . . والبيوتُ ستصبحُ خاويةً على عروشها تنادي أهلها الذي هجروها وتئنّ على فراقهم . . لم يظنّوا أنهم سيسمعونَ النواعيرَ تبكي لأول مرة على فقدانِ أهلها وأحبّتها . . لم يتوقعوا أن يصل الإجرام حدًّا يجعل مدينتَهم مستباحةً للوحوش الضارية . .

ربما تناول المؤرخون ما فعله التتار والمغول في بلاد المسلمين حينما احتلّوها . . وربما تحدّثوا عن حقد الصليبيّين وممارساتهم ضد المسلمين في حروبهم . . ولكن ماذا سيكتبون عن المجزرة الرهيبة التي حدثت في حماة عام 1982 م . . بل هي مجازر قضت على أكثر من نصف سكان المدينة . . وتركتهم ما بين شهيد أو جريح أو معتقل أو مفقود أو مهجّر . . كيف سيصفون الحقد الذي كان يقود سرايا الدفاع بقيادة المجرم رفعت الأسد وتحت إشراف ورعاية المقبور حافظ الأسد . . حين كانوا يُطلقون وحوشهم فينهشون فيها ما شاؤوا أن ينهشوا من براءة الأطفال . . ويقهرون الرجالَ فيعذّبونهم أو فيقتلونهم . . ويستبيحوا أعراض النساء . . حتى إذا سألتَ أي بيت عن خسارته لوجدته مفجوعاً بشهيد أو معتقل أو مهجّر أو مفقود . . هذا غير البيوت التي تم القضاء على كل أهلها . . فلن تبقَ إلا جدرانهم تبكيهم . .

كانت المجزرة تُرتكب في حق أهل حماة . . وفي حق المدينة نفسِها . . فقد دمّروا المساجد والكنائس . . وهدموا الأحياء والعمارات فوق رؤوس أصحابها . . لم يسلم منهم شجرٌ ولا حجر . . حتى وصلت إحصائيات القتلى خلال 27 يومًا إلى 40 ألفَ شهيد . . ارتقوا إلى بارئهم ليشكوا ظلم العبيد الذين نصّبوا أنفسهم حكّاماً على رقابهم وحياتهم . . يشكونهم إلى الله الذي يسمعُ ويرى . . ولا تخفى عليه خافية . .

لقد تحولت المدينةُ إلى عروشٍ خاوية . . وانتشرت رائحةُ الدمار في كلّ مكان . . وارتفع دخانُ الحرائق ليلامسَ عنانَ السماء . . وارتحلُ الجميعُ منها يلوذون بأرواحهم وأرواح أهليهم من آلة القتل والتنكيل . . ولم يبقَ فيها سوى الجثثِ الهامدة . . وانتشرت رائحةُ الموت . . وعمّ المدينةَ هدوءٌ مخيفٌ إلا من أصواتِ الرصاصِ والرشاشات والمدافع هنا وهناك . . حتى البكاءُ لا تكادُ تسمعُه . . لأنه يكشِفُ عن مكان صاحبه ويعرّضه للإبادة . . حتى أصبحتْ في أقل من شهر مدينةَ أشباح . .

ثلاثونَ عاماً مرّتْ على تلك الكارثة والفاجعة التي لم يتحرّك من أجلها العالم . . ولم ينتفض لها أحد . . فأصبحت الكارثةُ كارثتيْن . . أولاً المذبحة الرهيبة ثم الصمت الدولي القاتل على حدوث المجزرة . . وكأنّ أهل حماة قُتلوا مرتيْن . . مرة بيد قاتلهم . . ومرة بيد من يصفّق له . . وكأنهم لا بواكيَ لهم . . والآن وبعد انطلاق الثورة المجيدة في سوريا . . ومع استخدام آلة القتل والتنكيل نفسها . . ومع ازدياد رقعةِ الإجرام لتشملَ كل أنحاء وطننا الحبيب . . علم أهلنا أنه لابدّ من التخلص من هذا النظام المجرم . . وأيقنوا أن ما حصلَ في حماة كان شيئًا يفوقُ الوصفَ من الفظائع التي ارتكبها أزلامُ هذا النظام الفاجر . . وعلموا أنّ أهل حماة كانوا يُقتلون وتنُتهك حرماتهم دون أن يشعرَ بهم أحد . . وكانوا يموتون بصمتٍ دون أن يسعفَهم أو ينقذَهم أحدٌ من بطش الظالمين . . وأنهم كانوا يطفئون عطش القاتل ليحموا بقية المدن الأخرى من بطشه . .

واليوم . . وبعد هذه الأعوام الثلاثين . . نهض شعبُ حماةَ . . بل نهض كلّ شعب سوريا . . بهدف التخلص من هذا الظلم الواقع عليهم . . بعد أن علموا أنه لا بقاء له بينهم . . ولا حياة هانئةً لهم إلا بالقضاء على الدكتاتورية التي أفقرت البلاد والعباد . . وحوّلت البلاد بعد أن كانت مكاناً يهوي إليه الناسُ من كل مكان . . فجعلت أهلها يغتربون في البلاد والأمصار يبحثون عن رزقهم الذي لم يجدوه في بلدهم . .

أما أنتم أيها المجرمون . . لقد أمهلكم الله ثلاثين عاماً . . وما زلتم في غيّكم وظلمكم وضلالكم . . وظننتم أنكم وأدتم إرادة هذا الشعب . . فخرج لكم بدل المدينة عشرات المدن . . وبدل المئة ثائر خرجَ لكم مئات الألوف من الثوار . . أقسموا على أنفسهم ألا يهدأ لهم بالٌ . . ولا يغمضَ لهم جفن قبل أن يزيلوكم من عروشكم . . فهل حسبتم أن حماة ستُلدغ مرتين ؟ . . لقد كنتم مخطئين . . إنها الآن ليست وحدها . . لقد هبّ كل الأحرار في سوريا في وجوهكم . . فهذا جيلٌ جديدٌ تربّى في مدارسكم . . وخدم في جيوشكم . . وتعلم من مبادئكم . . ومنهم من لم يحضر تلك المجزرة . . لكنه ورث عن أهله مقارعةَ الطغاة . . والصّدع بالحق . . وسيمضي الزمان . . وستبقى حماة . . وستبقى سورية . . منارة الحضارة والعلم . . وستذهبون أنتم بعيداً . . ستصبحون نسياً منسياً . . وسيكمل الشعب الأبيّ بناء حضارة بلاده . . بعد أن أرجعتموها عشرات السنين إلى الوراء . . وإن كان سيذكركم أحدٌ يوماً من الأيام . . فسيردف بذكركم اللعنات لتصاحبكم في الجحيم . .

أبو عبيدة

Advertisements

Written by hama30

فبراير 2, 2012 في 12:10 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: