حماة .. عنقاء سوريا

بمداد المدونين نحيي ذكرى المجزرة

في ذكرى مجزرة حماة

leave a comment »

المصدر : Wa2el.net

Image1 copyالثورة منتصرة بسلميتها

 

أذكر أنني زرت سوريا وتحديدا حماة أول ما زرتها عندما كنت في الصف الخامس أو السادس الابتدائي لأن والدي كانت عليه علامات حمراء كوننا ننتمي لعائلة مغضوب عليها و “صوفتها حمرا”. وجريا على مبدأ: تزر وازرة وزر أخرى، كان كافيا للعائلة الحموية أن ينتمي فرد واحد من أبنائها لجماعة الاخوان المسلمين لتحل لعنة الأسد وزمرته على باقي العائلة وتتعداهم للأجيال التي تليهم من أبناء وبنات والتي تسبقهم. عمي الأكبر، الحاج رامي، عليه رحمة الله، كان منتميا للجماعة حاله حال شباب كثر من عائلة العلواني الكبيرة، وكان ملاحقا في كل مكان، وشهد بيت جدي غارات يومية من الجيش وحملات تفتيش بحثا عنه حتى تمكن من الفرار واستقر في السعودية، ولحقه عدد من اعمامي ومنهم والدي بالفرار من البلاد التي استحالت الى جحيم لا يطاق. عاش عمي بقية عمره منفيا، وعندما بلغني خبر وفاته، كنت في السنة الثانية في الجامعة، بكيت بمرارة الغربة وفقد عزيز وألم الحزن على وطن تحكمه عصابة. حادثت أبناءه معزيا ومتظاهرا بالثبات. عمي لم يكن من جماعة مروان حديد الدموية، ولا من الطليعة المقاتلة، وكان مؤمنا باللاعنف ولم يحمل سلاحا. وكان ضد كل ما حصل من اغتيالات وما تبعها (ولو أن عددا منها كانت صنيعة النظام الذي نعرف جيدا انه يأكل ابناءه ليحقق مكاسب على جماجمهم).

أحداث حماة ألقت بظلال مفزعة يملؤها الرعب في كل بيت حموي، ممن بقي في حماة ومن هاجر الى أطراف العالم. الذاكرة العميقة التي تحملها والدتي محزنة ومفزعة حد الجنون. حكت لنا كيف تم جرها وأخواتها وكل نساء العائلة الى الشارع ليشاهدوا بأم أعينهم منظر والدها وأعمامها وأبنائهم الشباب وهم واقفون بانتظار تلقي الرصاص. كانوا واقفين على شكل صف، الرجال، ويقف أمام كل واحد منهم جندي يحمل بندقية مصوبة نحو رأس أحدهم. موجات البكاء الهستيري والتضرع لم تفلح. استلقى زوج عمة والدتي على الأرض وهو يصيح بكلمات تمجد حافظ الأسد. لم تنقذه الكلمات، وأكل نصيبه من الركلات، ولم تكن عبارة “هاي الحرية اللي بدكن ياها” قد اخترعت. لا تدري والدتي كم مر من الوقت ولكنهم سمعوا صوت اطلاق رصاص من الحارة المجاورة، فقرر الجنود ترك الرجال والذهاب لتلك الحارة. غادرهم شبح الموت لحظتها ولكنه عاد وقبض أرواح عدد منهم فيما بعد.

خوف والدتي الدائم من كل شيء له مسحة سياسية حتى في أحاديثنا اليومية، جعل أحداث حماة حاضرة في بيتنا كل يوم. تلك الأحداث التي نؤرخ مراحل من عمرنا بها، فيقول الحمويون: “هي الشغلة صارت قبل الأحداث، وهديك صارت بعد الأحداث”. وحتى خلال الثورة الحالية، ومع ان والدتي تغلبت بشكل متقدم على عقدها القديمة، فباتت تردد شعارات المتظاهرين الثوار، الا انها لم تستطع التغلب عليها تماما. سجلت امي في الفيس بوك مؤخرا، وكان هدفها غير المعلن التجسس على ما أقوله في الفيس بوك لخوفها عليّ، وكأن ما نقوله هناك له وزن أصلا أمام تضحيات الأبطال على الأرض. وكنت قد خرجت نهائيا من الفيس بوك قبل ٣ أيام، وعندما علمت بذلك، قالت: اذا لا فائدة لي من البقاء في الفيس بوك.

مستجدات الثورة السورية تقلقني جدا، خصوصا مع صعود نجم الجيش الحر واستحواذه على أخبار الثورة اليومية. انا ضد العنف، ومؤمن بثالوث اتفكر فيه كل يوم، لا عنف، لا طائفية، لا تدخل خارجي، وهذه الأفكار لم تعد ساحات الفيس بوك تستوعب التعبير عنها بحرية، فالعاطفة والعنتريات هي السمة الطاغية هناك. وعندما تتكلم باللاعنف والسلمية، فأنت جعلت نفسك عرضة للاستهزاء والقول بأنك لا تعي الحلول الواقعية. وان أنت انتقدت الثوار وأخطائهم والمجلس الوطني ووو، فأنت تخون دماء الشهداء. لم أعد احتمل كمية اللاعقلانية المسجاة على صفحات الفيس بوك، فآثرت مغادرته، واستثمار الوقت في العمل على مبادرات مع شباب يشاركونني الهم والأفكار.

لا يسعفني الوقت حاليا لشرح بعض الأفكار المرتبطة بالثورة السورية، ولكني سأضعها هنا على شكل نقاط:

العنف في سوريا والجيش الحر يمكن استيعابه اذا تم العمل على “ضبط العسكرة وتنمية طابع الثورة المدني والعام” كما قال ياسين الحاج صالح . هذا أمر مهم جدا، ويتطلب منا الايمان به، والعمل عليه. يحزنني فعلا أن أرى أناسا قاموا بمشاركة مقالة ياسين ومنتهى فهمهم لها أن الجيش الحر يجب أن تدعم عملياته العسكرية بشكل أكبر، أي عكس ما قاله ياسين: ضبط العسكرة. لا أريد القول بأن نتجنب الجنود المنشقين ونتركهم، فهم قدموا تضحية وبطولة كبيرة بالخروج عن طاعة المجرمين، ولكن أؤمن بأن التعامل معهم بالشكل الذي قال به ياسين مثلا وغيره (شرط ان نفهم فعلا ما قالوه) وما قال به استاذ اللاعنف جين شارب في مقاله المهم: الخيارات المتاحة للجنود السوريين المنشقين مهم جدا ومن مصلحة الثورة.

 

الجنود المنشقونالجنود المنشقون

هناك كلام كثير عن امكانيات الجيش الحر المتواضعة وقدرته على دحر الجيش الأسدي وتحرير مناطق. هناك مقولة نصها: أن تخسر تكتيكيا ولكن أن تربح استراتيجيا. هناك سيناريو محتمل عن أن النظام يخسر تكتيكيا بتمكين الجنود المنشقين والجيش الحر من تحرير مناطق كاملة لاستدراجه اليها وجعله يتجمع فيها بشكل أكبر، مع السماح لصحفيين غربيين من عمل مقابلات معهم، أي العناصر المنشقة، وترويج فكرة الاستقلال والتحرير من قبل عناصر مسلحة، لتوفير غطاء دولي لعمليات عسكرية عنيفة جدا نعيد بها أحداث حماة، وكله تحت ذريعة أن النظام يواجه ميليشيات مسلحة. التعلم من أخطاء الماضي مهم جدا، لا نريد تكرار الأحداث.

الكلام الطائفي منتشر جدا وبدرجة مقززة، وخصوصا وسأقولها بصراحة، من قطاع كبير من المغتربين السوريين الذين عاشوا في بلدان عربية تحكمها ثقافة الفكر الديني الواحد وعدم تقبل الآخر.الصديقة “أمنية” كتبت تدوينة ربطت فيها ما مرت به سورية في أحداث حماة، وما نعيشه الآن من منظور الطوائف والطائفية وتجربتها الخاصة.

هناك فرق بين السلمية وبين اللاعنف وبين العفوية! عندما نتحدث عن الثورة اللاعنفية، فنحن نعني تلك المنظمة والتي تحكمها استراتيجيات وتكتيكات، وليس العفوية التي تمثل الوصف الحقيقي لحال الثورة عموما منذ بدايتها. وأنا أعلم أن الثورات لا تجرى في معامل الاختبار ولا يمكننا ضبطها بالشكل الوردي الذي نريدها عليه، ولكن في المقابل هناك مجموعات رائعة في الداخل السوري تعمل تحت اطار السلمية واللاعنفية، وتخطط وتتعلم وتبدع، ومن واجبنا ابراز أنشطتهم في ظل تغييبهم اعلاميا، لأن الاعلام يحب الدماء والأكشن، أما الأمور العقلانية والسلمية فهي عكس ما يريده للأسف.

الى لقاء في تدوينة أكثر تفصيلا.

 

——

الصور هي بريشة رسام أتعامل معه، وحقوق النشر والطبع محفوظة للشعب السوري.

Advertisements

Written by hama30

فبراير 16, 2012 في 1:36 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: